مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

إلى أين تتجه الأمور؟


سؤال من الضروري طرحه في هذا الوقت الذي تتشابك فيه الآمال في كبح جماح الأزمة في إيران بالمخاوف من أن تتدحرج المشكلة إلى تصعيد معقد ومخيف، خاصة مع تزايد احتمالات فتح الجبهة اللبنانية مجددًا.
ربما إحدى أهم المشاكل التي يمكن أن يواجهها أي متخصص يريد تحليل المشهد، هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا.. لماذا؟ الجواب ببساطة: إن الخطر يكمن في أن هذه الحرب تُشنّ من قِبل رئيس أظهر مرارًا وتكرارًا ازدراءه للقانون والانتخابات الحرة، بل وتآمر ضد الدستور عندما أراد تغييره لتولي فترة حكم ثالثة. هو أيضًا فرض ضرائب دون موافقة الكونجرس، ووزّع أموالًا على المزارعين دون موافقة الكونجرس، واستحوذ على حصص في شركات خاصة دون موافقة الكونجرس، وانتهك بكل أريحية قوانين مكافحة الفساد والرشوة رغم معارضة الكونجرس، وحاول سجن أعضاء في الكونجرس بسبب فيديو ذكّر أفراد الجيش بواجبهم في طاعة القانون. والآن، بدأ ترامب ما قد يكون حربًا إقليمية ضخمة ومكلفة دون أدنى تفويض من الكونجرس. ولم يُظهر أي رئيس في التاريخ الأمريكي عدم جدارته بالثقة في إدارة السلطة مثل دونالد ترامب.
كل ما سبق يجعل مستقبل أي تحليل أو تقدير موقف مرهونًا أولاً وأخيرًا برغبات هذا الرجل التي تتغير على مدار اللحظة من النقيض إلى النقيض تمامًا. لكن ما تبقى هو مجرد طرح وتفسير لعدد من الإشارات الدالة إلى أين ستتجه الأحداث في الأيام القادمة. في الحقيقة، تجدر الإشارة إلى عدة ملاحظات جوهرية:
 * يبدو أن إيران في طريقها لاستيعاب صدمة الضربة الأولى في الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك، والتي أسفرت عن اغتيال المرشد العام علي خامنئي مع 40 من كبار قياداته العسكريين والسياسيين. وبعكس الكثير من التوقعات بأن النظام سيسقط في فوضى مرعبة، فإنه تم تشكيل مجلس قيادة مؤقت حتى قبل انتشال جثث القتلى من موقع الهجوم. وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة "سي بي إس" بأن هذه الخطوة -العسكرية- قد تنتهي بالدبلوماسية، مضيفاً أن "هناك مرشحين جيدين" لقيادة إيران، وتحديداً علي لاريجاني، أقرب المقربين إلى آية الله، والرئيس السابق للبرلمان، والشخص الموكل إليه وضع خطط الخلافة. يُعدّ لاريجاني، البالغ من العمر 67 عامًا، وهو محافظ براغماتي، مرشحًا بارزًا لقيادة البلاد نحو محادثات السلام المستقبلية.
 * نجح نظام طهران في تجميع صفوفه بسرعة نسبية؛ حيث تم إطلاق العشرات من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل وبلدان أخرى في المنطقة، بما في ذلك صاروخان أُطلقا على قبرص حيث توجد قواعد بريطانية. وفي إسرائيل، قُتل 12 شخصاً وأُبلغ عن أضرار هيكلية كبيرة.
 * الهدف المعلن للحرب ليس غزو إيران أو إعادة رسم الحدود، ولكن تهيئة الظروف التي تسمح للشعب الإيراني بالإطاحة بالنظام نفسه. هذه هي المقامرة المركزية: فليس هناك يقين من أن الشعب سيتحرك ضد النظام وهو يواجه ضربات من العدوين اللدودين التاريخيين؛ إسرائيل وأمريكا. يذكر التاريخ أن الأنظمة الثورية تقوى شعبياً في ظل وجود عدوان خارجي عليها.
 * إن الولايات المتحدة بدأت في استقبال قتلاها؛ والآن ومع إعلان سقوط أول 8 من جنود مشاة البحرية الأمريكية بين قتيل وجريح بإصابات خطيرة، ستتغير الصورة في الداخل الأمريكي ضد تلك الحرب، والمبررات عديدة؛ أولها أن أسباب الحرب مفتعلة ولم يثبت فعلياً أن طهران تمتلك صواريخ يمكنها أن تصل إلى المدن الأمريكية، أو أنها اقتربت فعلياً من الحصول على أولى قنابلها النووية؛ وهي ادعاءات شبيهة بسيناريو يكاد يكون مطابقاً لما حدث قبل غزو العراق عام 2003. فضلاً عن ذلك، سيزداد موقف ترامب صعوبة مع بداية عودة الجنود الأمريكيين في "صناديق الموتى"، لأنه سيكون أول من يبلغ أهالي هؤلاء القتلى بمصرع ذويهم في حرب لم يحصل فيها على تفويض من الكونجرس أو مجلس الشيوخ قبل أن يتورط فيها. وهذا سينعكس سريعاً على نتائج انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس، بل وربما حسمها مسبقاً لصالح الديمقراطيين.
 * حتى الآن، فإن ترامب يخوض هذه الحرب المحدودة دون تفويض من الكونجرس، وتوسيعها أو إطالة أمدها يعني حاجته إلى هذا التفويض، وهذا في حد ذاته يمثل مشكلة قوية ليست من أولويات الرجل أن ينخرط فيها حالياً؛ بالتالي فإنه سيكتفي بما هو حاصل الآن، بل والعمل على تخفيض التوتر.
رغم تلك الإشارات، فإن التناقض في سياسة إدارة ترامب على مدى أكثر من عام منذ توليه الرئاسة يبقى سيد الموقف. وفي ثماني مناسبات على الأقل خلال الانتفاضة الشعبية في إيران مطلع يناير، شجع الرئيس ترامب الإيرانيين على "السيطرة على مؤسساتهم" ووعد بأن المساعدة الأمريكية "في طريقها". ولكن في الشهر الماضي فقط، أرسل المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، رسالة معاكسة؛ وصف فيها إيران بأنها "صفقة يجب إبرامها". كما صرح نائب الرئيس فانس بأن مصالح أمريكا في إيران محدودة، وقال فانس للصحفيين مؤخراً: "إذا أراد الشعب الإيراني الإطاحة بالنظام، فهذا شأنه. ما نركز عليه الآن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي". الواضح أن هناك غياباً لاستراتيجية شاملة سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها من الأزمات التي يديرها ترامب.
في نهاية المطاف، يبدو أننا أمام مشهد إقليمي جديد تُصاغ قواعده بدماء القيادات القديمة وطموحات القيادات الصاعدة، وسط غياب "كتالوج" أمريكي واضح للتعامل مع ما بعد الانفجار. إن التناقض الصارخ في تصريحات إدارة ترامب يضع المنطقة أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:
• الأول: نجاح "البراغماتية الإيرانية" بقيادة وجوه مثل لاريجاني في تقديم تنازلات مؤلمة (نووياً وإقليمياً) مقابل البقاء، وهو ما قد يمنح ترامب "الصفقة التاريخية" التي يبحث عنها ليهرب من فخ التورط العسكري المباشر.
• الثاني: أن يؤدي غياب الاستراتيجية الشاملة في واشنطن، والارتباك في توزيع الأدوار بين البيت الأبيض والخارجية، إلى انزلاق الأمور نحو فوضى غير مسيطر عليها، تحول طهران إلى نسخة مكبرة من المشهد السوري أو العراقي السابق، وهو ما تراهن عليه موسكو وبكين لاستنزاف النفوذ الأمريكي.
بين الرغبة في الحسم العسكري والميل لغريزة الصفقات، يبدو أن ترامب يقود العالم نحو "مقامرة كبرى"؛ حيث الرهان هذه المرة ليس على هوية من يحكم طهران، بل على قدرة النظام الدولي -المتهالك أصلاً- على تحمل تبعات زلزال بهذا الحجم.